
بقلم : ا.د جيهان رجب
السادة أعضاء المجلس القومي للطفولة والأمومة، وجميع المسؤولين عن منظومة التعليم، تصل إليكم هذه الكلمات ليس من خبير في علم الجريمة، ولا من محلل سياسي، بل من صوت مجتمعي يصرخ من وحي واقع مر يتكرر في عناوين صحفنا: “طفولة منتهكة داخل جدران المؤسسة التعليمية”.
حادثة تلو الأخرى، صورة مأساوية تتجدد، وسؤال ملح يطرح نفسه: هل ما نراه هو مجرد أفعال إجرامية فردية شاذة، أم أنها ثمرة لتراكم هشاشة في نظام حمايتنا الجماعي؟
الظاهرة: أكثر من حوادث منعزلة
لا يمكن التعامل مع الاعتداءات الجنسية على الأطفال في المدارس كـ”حوادث فردية” نتعامل معها برد فعل إعلامي ثم صمت. تكرارها يشير إلى خلل بنيوي. كل حادثة هي:
1. فشل في آلية الاختيار والرقابة على القائمين على رعاية أطفالنا.
2. ثغرة في نظام الإبلاغ والحماية داخل المؤسسة التعليمية.
3. اختبار لصلابة نظامنا العقابي ومدى فعاليته كرادع.
السؤال الجوهري: هل هناك تخطيط لتدمير الجيل؟
سواء كانت الإجابة “نعم” أو “لا”، فإن النتيجة واحدة: تدمير نفسي للأطفال، وزعزعة ثقة الأسرة في المدرسة، وإصابة النسيج الاجتماعي في مقتل. التركيز المفرط على نظرية المؤامرة قد يشل قدرتنا على الفعل. لكن لا يمكن إنكار أن إهمالنا لحماية أطفالنا يخدم – عمليا – أي أجندة معادية لمستقبل هذا البلد. الحماية الفعّالة هي أفضل رد على أي مؤامرة محتملة.
توصيات عملية للمجلس وجميع المسؤولين: من رد الفعل إلى الوقاية الشاملة
كمجلس قومي معني بحماية الطفولة،ومؤسسة تعليمية مسؤولة وكل مسؤول فى الدولة ندعوكم لقيادة تحول استراتيجي يرتكز على:
أولاً: تحصين البيئة المدرسية (الوقاية الأولية)
· “البصمة الأخلاقية”: إلزامية شهادة حسن السيرة والسلوك، مع فحص نفسي متجدد لكل من يعمل في محيط الأطفال، وليس فقط المعلمين.
· توحيد المعايير: تطبيق معايير أمنية ورقابية عالية في كل المدارس دون استثناء (حكومي، خاص، دولي، ديني).
· المدرسة الآمنة: تصميم فراغات مدرسية ذكية تتجنب العزلة، مع تركيب كاميرات مراقبة في الأماكن المشتركة مع الحفاظ على الخصوصية.
ثانيًا: تمكين الطفل (الوقاية الثانوية)
· “منهج الجسد الآمن”: إدماج برامج تربوية عمرية مناسبة في المنهج، تعلم الطفل حقوقه الجسدية، وتفرق بين اللمسة الآمنة والخطرة، وكيف يصرخ ويبلغ.
· “صندوق الأسرار الآمن”: إنشاء قنوات إبلاغ بسيطة وسرية داخل كل مدرسة (صندوق شكاوى، رقم واتس آب، شخص ثقة معين) يصل مباشرة إلى جهة رقابية خارج إدارة المدرسة.
ثالثا: استجابة النظام (الوقاية الثالثية)
· “الاستجابة السريعة الموحدة”: تشكيل فرق تدخل مشتركة من (الصحة النفسية – الخدمة الاجتماعية – النيابة) متخصصة في التعامل مع ضحايا الاعتداء من الأطفال، لضمان الدعم النفسي والقانوني السريع والمتخصص.
· “العقاب الرادع والعلني”: ضرورة أن تكون العقوبات على هذه الجرائم في أقصى درجات الصرامة وأن ينشر النطاق القضائي (دون ذكر بيانات الضحايا) كرسالة رادعة قوية.
· شفافية المعلومات: إصدار تقريرا دوريا (حتى لو موجزا) عن طبيعة البلاغات والإجراءات المتخذة، لاستعادة الثقة المجتمعية.
الخاتمة: مسؤولية تاريخية
سيداتي سادتي،
الأطفال الذين نحميهم اليوم هم الأطباء،والمهندسين، والقادة، وأهم من ذلك: هم الآباء والأمهات الأصحاء لغدٍ. إهمال حمايتهم ليس خسارة للفرد فقط، بل هو تشويه لمستقبل أمة.
المجلس القومي للطفولة والأمومة ، ووزارة التعليم ليس جهة رقابية فقط، بل هو ضمير الأمة تجاه براءتها. الدور الذي تقومون به الآن سيكتبه التاريخ. فلننتقل من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “بناء الحصانة”.
لنعمل معا لجعل المدرسة – كما يجب أن تكون دائما – مكانا للأمان، والمعرفة، والبناء، وليس مكانا للخوف والانتهاك.
مع فائق الاحترام،
مواطنة قلقة على مستقبل أبنائها احفادها