العالم الذي لا نراه.. قراءة نفسية ومعرفية في الخيال والأحلام والصور الذهنية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية

بقلم : د. شيماء محروس
استشاري الصحة النفسية للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم

هل يحتاج الإنسان إلى أن يرى الشيء بعينيه حتى يستطيع أن يتخيله؟ وهل يمكن لمن لم يرَ البحر أن يكوّن عنه تصورًا في ذهنه؟ وكيف تتشكل الأحلام والصور الذهنية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية؟

هذه الأسئلة تفتح أمامنا نافذة لفهم عالم داخلي لا نراه، لكنه يحمل ثراءً نفسيًا ومعرفيًا يستحق التأمل.

فالإنسان لا يبني معرفته بالعالم من خلال البصر وحده، بل من خلال تفاعل حواسه وخبراته ومشاعره ولغته. وقد يتشكل تصور البحر لدى شخص ذي إعاقة بصرية من صوت الأمواج، وملمس الرمال، ورائحة الماء، ووصف الآخرين، والخبرات التي عاشها بنفسه. وهكذا قد لا تكون الصورة الذهنية نسخة بصرية من الواقع، بل بناءً ذهنيًا تتداخل فيه الخبرة الحسية والذاكرة والمعنى.

وتختلف هذه الخبرات من شخص إلى آخر؛ فالشخص الذي وُلد بإعاقة بصرية ليست خبرته بالضرورة كخبرة من فقد بصره لاحقًا، كما تختلف التجارب لدى الأشخاص الذين لديهم بقايا بصرية. لذلك لا يمكن افتراض أن الجميع يتخيلون أو يحلمون بالطريقة نفسها.

لكن أهمية هذا العالم الداخلي لا تتوقف عند الخيال والأحلام. فتنمية التصورات الذهنية، وإثراء الخبرات الحسية، وإتاحة الفرصة للاستكشاف والتجربة كلها جوانب ترتبط بالتعلم وفهم البيئة والاستعداد للحياة اليومية. كما أن دعم الثقة بالنفس والاستقلالية لا يتحقق بالحماية وحدها بل بمنح الشخص فرصًا حقيقية للاختيار والمبادرة واكتساب الخبرة.

ومن هنا، فإن فهم الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لا يبدأ بالسؤال عما لا يستطيعون رؤيته بل بمحاولة فهم الطريقة التي يدركون بها العالم ويمنحونه معناه.

فوراء اختلاف الخبرة البصرية عالم من الأفكار والمشاعر والتصورات والأحلام، لا ينبغي أن نحكم عليه من الخارج، بل أن نقترب منه بالعلم والوعي والاحترام.

وربما لا نحتاج إلى أن نرى العالم بالطريقة نفسها حتى نفهم بعضنا بعضًا بل نحتاج إلى أن ندرك أن لكل إنسان طريقته في اكتشافه وبنائه.

↑
Exit mobile version