
كتبت: أ.د جيهان رجب
عضوة المجلس القومي للمرأة فرع القاهرة وعضوة منتدى نساء مصر
حين نتحدث عن الحروب، غالبا ما نتذكر الجنود الذين حملوا السلاح، والضباط الذين قادوا المعارك، والشهداء الذين ارتوت الأرض بدمائهم. نتذكر العبور، والجنود فوق القناة، والعلم المصري وهو يرتفع من جديد. لكن وراء كل جندي كان هناك بيت ينتظر، وأم تخشى خبر الغد، وزوجة تعيش بين الأمل والقلق، وطفل لا يفهم من الحرب إلا غياب أبيه.
دخلت المرأة المصرية سنوات الحرب وهي تحمل آثار نكسة يونيو 1967. لم تكن الهزيمة حدثا عسكريا بعيدا عن البيوت، بل تجربة تركت الخوف والقلق والأسئلة في نفوس الأسر. ثم جاءت سنوات حرب الاستنزاف بما حملته من انتظار وقلق واستنزاف نفسي واجتماعي، بينما كانت الدولة تعيد بناء قواتها وتستعد لمعركة التحرير.
في تلك السنوات، كانت أم تودع ابنها ولا تعرف ماذا يحمل المساء، وزوجة تنظر إلى الباب مع كل صوت سيارة، وأخت تخفي قلقها حتى لا تزيد وجع أمها. وربما كانت هناك طفلة صغيرة لا تفهم معنى الحرب، لكنها تفهم أن أباها غائب، وأن أمها أصبحت أكثر صمتا، وأن أخبار الجبهة يمكن أن تغير شكل البيت في لحظة.
كان الخوف حاضرا، لكنه لم يكن يعني الاستسلام. كانت المرأة تحاول أن تحافظ على تماسك البيت، وتواصل الحياة، وتربي أبناءها، وتخفي دموعها أحيانا حتى لا تنتقل مخاوفها إلى أطفالها. فالمرأة التي كانت تخاف على ابنها كانت في الوقت نفسه تعلمه أن الوطن مسؤولية، والزوجة التي كانت تخشى على زوجها كانت تحاول أن تحافظ على البيت وتمنح أبناءها الإحساس بالأمان.
ثم جاء السادس من أكتوبر 1973. لم تكن لحظة العبور انتصارا للجيش وحده، بل كانت لحظة استعادة للثقة في وجدان مجتمع عاش سنوات من الألم والانتظار. وبعد سنوات الصمود وحرب الاستنزاف، عبرت القوات المصرية قناة السويس وبدأت معركة أعادت للمصريين الثقة والقدرة على مواجهة آثار الهزيمة.
لكن النصر لم يعن أن كل البيوت عادت إليها أفراحها. فقد خرج بعض الأبناء إلى الحرب ولم يعودوا، وبدأت حكاية أخرى للمرأة المصرية: حكاية أم الشهيد، وزوجة الشهيد، وأخت الشهيد، وبنت الشهيد.
أم الشهيد لم تفقد ابنا فقط، بل فقدت جزءا من حياتها. قد تستمر في إعداد الطعام، ورعاية أبنائها، والذهاب إلى عملها، والابتسام أحيانا، لكن مكان ابنها يظل حاضرا في تفاصيل الحياة.
أما زوجة الشهيد، فقد تجد نفسها فجأة أمام مسؤولية لم تخطط لها. زوج غاب، وأطفال يحتاجون إلى أب، وبيت يحتاج إلى من يديره، وحياة يجب أن تستمر. لم تكن معركتها قصيرة؛ فقد بدأت بعد انتهاء المعركة العسكرية. كان عليها أن تربي أبناءها، وتحافظ على تعليمهم، وتواجه لحظات ضعفهم، وربما تجيب عن سؤال طفل يسأل: «بابا هيرجع إمتى؟».
وكانت أخت الشهيد تعيش نوعا آخر من الفقد، بينما قد تكبر بنت الشهيد وهي تعرف أباها من الصور والحكايات أكثر مما تعرفه من الحياة اليومية. ومع ذلك، يمكن أن تصبح تلك الصورة جزءا من تكوينها، وتتعلم من قصة أبيها معنى التضحية والمسؤولية والانتماء.
وهنا تظهر عظمة المرأة في زمن الحرب بصورة مختلفة. فهي لم تكن دائما في الخنادق، لكنها كانت خلف كل خندق بيتا يجب أن يستمر. ولم تكن دائما تحمل السلاح، لكنها كانت تحمل أبناءها، ومسؤولية الأسرة، وقلق الانتظار، ومرارة الغياب. كما شاركت نساء مصريات في دعم المجهود الحربي والعمل التطوعي وفي المستشفيات وجمع التبرعات، وكان للنساء في سيناء أدوار في مساندة القوات المصرية خلال سنوات الحرب.
لذلك، عندما نتحدث عن نصر أكتوبر، لا ينبغي أن نسأل فقط : ماذا فعل الجندي على الجبهة؟ بل نسأل أيضا : ماذا فعلت المرأة في البيت؟ ماذا فعلت الأم وهي تسمع صفارات الإنذار؟ وماذا فعلت الزوجة وهي تنتظر خبرا من الجبهة؟ وماذا فعلت المرأة التي فقدت زوجها أو ابنها، ثم عادت في اليوم التالي لتواصل الحياة وتربي أبناءها؟
لقد كان من أعمق أدوار المرأة المصرية بعد الحرب أنها لم تسمح للفقد بأن يتحول إلى هزيمة داخل الأسرة. ربت، وعلمت، وعملت، وصبرت، وحافظت على البيت، وحملت ذاكرة من رحلوا إلى الأجيال التالية.
وعندما نتحدث عن قيم أكتوبر، فإن الشجاعة لا تعني فقط مواجهة العدو في ميدان القتال. هناك شجاعة أخرى هادئة : شجاعة المرأة التي تواجه الغياب، وتحافظ على أسرتها، وتربي أبناءها، وتحول ألمها إلى قدرة على الاستمرار.
لذلك، لا ينبغي أن تكون ذاكرة أكتوبر ذاكرة معركة فقط، بل ذاكرة مجتمع كامل : جنود عبروا القناة، وأمهات انتظرن، وزوجات صبرن، وأسر تحملت الفقد، ونساء واصلن الحياة وحملن ذاكرة الوطن من جيل إلى جيل.
فإذا كان الجندي قد عبر القناة، فإن المرأة عبرت سنوات الخوف معه، ثم واصلت العبور بعد انتهاء الحرب.
ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به هذه الحكاية هو صوت امرأة عاشت التجربة ؛ أم شهيد أو زوجة شهيد، تحكي بكلماتها كيف كان الانتظار، وكيف واجهت الفقد، وكيف واصلت الحياة. فحين تتحدث صاحبة التجربة، تتحول ذاكرة أكتوبر من صفحات في التاريخ إلى ذاكرة إنسانية حية تصل إلى وجدان الأجيال الجديدة.🇪🇬🇪🇬🇪🇬