حارسات الهوية والذاكرة.. دور المرأة المصرية في حماية الوعي الوطني

 

بقلم : أ.د جيهان رجب
أستاذ بجامعة عين شمس

حين يقول الرئيس عبد الفتاح السيسي: «مصر في رقبة كل فتاة وسيدة مصرية»، فإنه يؤكد أهمية دور المرأة في حماية الهوية الوطنية وصيانة الذاكرة الجماعية من التشويه والتزييف. غير أن هذه الأمانة لا تعني أن تتحمل المرأة المسؤولية وحدها، بل تستدعي تكامل الأدوار بين المؤسسات والمجتمع والأسرة، حتى تتحول هذه الرسالة إلى عمل حقيقي يمتد أثره إلى الأجيال القادمة.

وتبدأ حماية الذاكرة الوطنية بتوفير المعرفة الموثوقة وإتاحتها للأجيال الجديدة. فالمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مطالبة بتقديم التاريخ الموثق بأساليب عصرية، وتنمية قدرة الشباب على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، بدلا من الاكتفاء بنفي الشائعات بعد انتشارها. كما يمثل توثيق الشهادات والوثائق الوطنية خطوة مهمة لحفظ التجارب التي أسهمت في تشكيل وجدان المجتمع.

أما المرأة المصرية، فهي شريك أساسي في تحويل هذه المعرفة إلى وعي وسلوك. فالأم تغرس في أبنائها قيم الانتماء من خلال الحوار والقدوة، والمعلمة تنمي قدرتهم على الفهم والتحليل، والإعلامية والباحثة تسهمان في نقل الحقائق وتوثيقها. وفي الفضاء الرقمي، تستطيع كل امرأة أن تحمي الوعي العام بالتحقق من مصادر الأخبار قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء الصور والمقاطع المجتزأة أو المعلومات مجهولة المصدر.

ولا تعني حماية الهوية الوطنية رفض الاختلاف أو إغلاق باب النقاش، بل مواجهة الادعاءات بالأدلة، وتشجيع الأسئلة، وتعليم الأجيال كيفية التمييز بين الحقيقة والمعلومة المضللة. فالمجتمع الواثق من تاريخه لا يخشى الحوار، وإنما يستند إلى المعرفة والتوثيق والمصداقية.

ولكي تؤدي المرأة هذه الرسالة بفاعلية، لا بد من الانتقال من الحديث عن أهمية دورها إلى إتاحة الفرص التي تمكنها من ممارسته. ومن هنا، أقترح إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «حكاية مصر.. ذاكرة تحفظها امرأة»، تستهدف توثيق شهادات النساء المصريات عن الأحداث والتحولات الوطنية والاجتماعية التي عاصرنها، وجمع الحكايات والصور والوثائق العائلية التي تحمل جانبا من ذاكرة الوطن، وتحويلها إلى محتوى رقمي موثق يصل إلى الشباب عبر الجامعات والمدارس ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتقوم المبادرة على إتاحة الفرصة للأمهات والجدات والنساء من مختلف الأجيال لرواية تجاربهن وتسجيل شهاداتهن بالصوت والصورة، بمشاركة الشباب في جمع هذه المواد وتوثيقها وإعدادها للنشر، مع التحقق من المعلومات واحترام خصوصية أصحابها. ويمكن تنفيذها بالتعاون بين الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية والجهات المعنية بشؤون المرأة، لتصبح مشروعا مستمرا يربط الذاكرة الوطنية بوعي الأجيال الجديدة، ويحول الحكايات الفردية إلى رصيد معرفي يحفظ تاريخ المجتمع وتجاربه.

ولا تتوقف أهمية المبادرة عند استعادة الماضي، بل تمتد إلى استخلاص القيم التي يحتاج إليها الحاضر، مثل الانتماء والمسؤولية والإرادة والعمل الجماعي. فعندما تستمع الأجيال الجديدة إلى شهادات حقيقية من أمهاتها وجداتها، وتتعرف على ما واجهته الأجيال السابقة من تحديات وكيف تعاملت معها، يصبح التاريخ أقرب إلى وجدانها وأكثر قدرة على التأثير في اختياراتها وسلوكها.

إن الأمانة التي تحملها المرأة المصرية ليست عبئا منفردا، بل مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسسات مع وعي الأسرة ومشاركة المجتمع. فحماية تاريخ الوطن لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالمعرفة والقدوة والتوثيق والعمل المستمر.

فالأوطان لا تفقد ذاكرتها حين ترحل الأجيال التي صنعت أحداثها فحسب، بل حين تعجز الأجيال الجديدة عن سماع حكاياتها وفهم دروسها. ومن هنا، فإن حماية الذاكرة الوطنية ليست مجرد استدعاء للماضي، بل دفاع عن حق المستقبل في معرفة جذوره. فلنجعل من كل امرأة شاهدة تحفظ الحقيقة، ومن كل حكاية موثقة جسرا يصل الأجيال، ومن كل قيمة وطنية نغرسها اليوم أساسا لمصر الغد. فالتاريخ الذي نحفظه بوعي، والهوية التي نصونها بالمعرفة، هما أمانة لا نملك أن نتركها للنسيان.

↑
Exit mobile version