نحو عدالة أسرية تحمي الطفل وتوازن المجتمع

بقلم : الأستاذة الدكتورة جيهان رجب – أستاذ بجامعة عين شمس

في ظل ما يشهده المجتمع من تغيرات متسارعة، لم تعد القضايا الأسرية مجرد شؤون خاصة، بل أصبحت أحد أهم الملفات التي تعكس استقرار المجتمع أو اضطرابه. فما يحدث اليوم داخل ساحات المحاكم، وما نراه من صراخ مجتمعي على منصات التواصل الاجتماعي، ليس مجرد حالات فردية، بل إشارات واضحة تستحق التوقف والتأمل.

هذه المؤشرات تقودنا إلى حقيقة مهمة، وهي أننا أمام ما يمكن تسميته بـ“أزمة وعي أسري”، قبل أن تكون أزمة قوانين أو نزاعات. فالمشكلة لا تبدأ عند لحظة الخلاف، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك بكثير، إلى طريقة الاختيار، وفهم طبيعة العلاقة، والتوازن بين الحقوق والواجبات.

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: هل نحن بحاجة فقط إلى قوانين جديدة؟ أم أننا بحاجة إلى رؤية متكاملة تعيد ضبط منظومة الأسرة بالكامل؟

في هذا السياق، تبرز أهمية التفكير في إنشاء كيان وطني موحد يعنى بقضايا الأسرة، يكون بمثابة مظلة جامعة تنسق بين مختلف الجهات المعنية، سواء كانت وزارات أو هيئات أو مؤسسات مجتمع مدني. فغياب التنسيق المؤسسي الفعال يؤدي في كثير من الأحيان إلى ازدواجية في الأدوار، وتضارب في المصالح، وهو ما ينعكس سلبا على استقرار الأسرة، ويضعف من قدرة الدولة على حماية الطفل، الذي يجب أن يظل دائما في صدارة الأولويات.

إن إنشاء مجلس وطني لشؤون الأسرة لم يعد رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، بحيث يتولى هذا الكيان وضع إطار استراتيجي يحقق التوازن بين حقوق وواجبات جميع الأطراف داخل الأسرة، ويضمن توحيد الجهود في اتجاه واحد: الحفاظ على كيان الأسرة المصرية.

لكن قبل أن نتحدث عن إدارة الأزمة، علينا أولا أن نعترف بوجودها. فالتعامل مع الأزمة يبدأ من فهمها، وليس فقط من محاولة احتوائها. وهنا يأتي دور الوعي، باعتباره خط الدفاع الأول.

إن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في بناء وعي الأجيال الجديدة، من خلال تعليمهم كيفية اختيار شريك الحياة على أسس واعية، وليس فقط بناءً على الانجذاب، وغرس مفهوم المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق، والتأكيد على أن أي علاقة ناجحة تقوم على التوازن، لا على الصراع.

كما يجب أن نعيد تعريف الخلاف داخل الأسرة، باعتباره أمرا طبيعيا، لكن الخطورة تكمن في تحوله إلى صراع ممتد، يكون الطفل أول ضحاياه. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لتقديم برامج توعوية وتدريبية تستهدف الشباب قبل الزواج، وتؤهلهم لإدارة علاقاتهم بشكل صحي ومتوازن.

ولا يمكن إغفال دور الأسرة الممتدة، وتحديدا الأب والأم، بعد زواج الأبناء. فبينما يظل دورهم مهما، إلا أن طبيعته يجب أن تتغير. فالدعم لا يعني التدخل، والنصيحة لا تعني الفرض. إن ترك المساحة للأبناء ليبنوا حياتهم بأنفسهم، ويخوضوا تجاربهم، هو جزء أساسي من نضج العلاقة واستقرارها.

وفي المقابل، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الشباب أنفسهم، في أن يدركوا أن الزواج ليس مجرد قرار عاطفي، بل مسؤولية تتطلب وعيا وقدرة على التفاهم وإدارة الخلافات. فالعلاقات لا تبنى على الكمال، بل على الاحترام والمرونة والقدرة على الاستمرار.

كما أن العلاقة بين الزوجين يجب أن تدار بوعي يحافظ على كرامة الطرفين، ويبقي الخلاف في حدوده الطبيعية، دون أن يتحول إلى صراع يهدم الاستقرار الأسري، أو يؤثر سلبا على الأطفال، الذين يجب ألا يكونوا يوما طرفا في النزاعات.

وفي هذا الإطار، يبرز أيضا دور المجتمع والإعلام، ليس في تأجيج الصراعات أو تضخيم الخلافات، بل في نشر الوعي، وتقديم نماذج إيجابية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول العلاقات الأسرية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن العدالة الأسرية ليست مجرد هدف قانوني، بل هي ضرورة إنسانية ومجتمعية. فهي الأساس الذي يبنى عليه استقرار المجتمع، وهي الضمان الحقيقي لحماية الأجيال القادمة.

إننا لا نبحث عن انتصار طرف على حساب طرف، بل نسعى إلى تحقيق توازن حقيقي داخل الأسرة، يضع مصلحة الطفل في المقدمة، ويضمن لكل فرد حقه دون أن يهدر واجبه.

وإذا كنا اليوم نطرح الأسئلة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في قدرتنا على تحويل هذه الأسئلة إلى سياسات، وهذه الرؤية إلى واقع… لأن مستقبل المجتمع يبدأ من داخل كل أسرة.

Exit mobile version