الطيبات.. لماذا صدق الناس هذا الترند بهذه السرعة !

بقلم : أ.د جيهان رجب أستاذ – التسويق بجامعة عين شمس
في كل فترة يظهر ترند جديد يعد الناس بحياة أفضل، جسم أخف، طاقة أعلى، وشفاء من أمراض كثيرة بكلمات بسيطة جدا. لكن قليل من هذه الترندات استطاع أن يدخل البيوت المصرية بهذه السرعة مثل “الطيبات”. فجأة أصبح الناس يتحدثون عن السكر، واللبن، والدقيق، والفواكه، وحتى الأدوية، وكأن هناك “حقيقة مخفية” اكتشفها شخص واحد وبدأ يكشفها للجميع.
الغريب أن انتشار الفكرة لم يكن فقط بين الشباب المهتمين بالدايت أو الجيم، بل وصل إلى الأمهات، وكبار السن، والموظفين، وحتى المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة.
هنا يظهر السؤال الحقيقي : هل الناس اقتنعت فعلا بالفكرة⁉️ .. أم أنها كانت تبحث فقط عن أي أمل سريع⁉️، الحقيقة أن جزءا من نجاح “الطيبات” يعود إلى أنه لم يقدم نفسه كنظام غذائي معقد ، بل كفكرة سهلة جدا : “هذا طيب لجسمك… وهذا خبيث يؤذيك”. الإنسان بطبيعته يحب التفسيرات البسيطة والواضحة، خصوصا في الأمور الصحية المعقدة . بدلا من الدخول في تفاصيل السعرات ، والهرمونات ، والتمثيل الغذائي، جاءت الفكرة وكأنها اختصار مريح لكل هذا التعب.
كما أن المواطن المصري تحديدا لديه حالة من الإرهاق من النصائح الطبية المتغيرة . يوم يقولون الدهون مضرة ، ثم يعودون ليقولوا إنها مفيدة. مرة يمنعون النشويات ، ثم يتحدثون عن أهميتها. هذا التناقض جعل كثيرا من الناس يميلون لأي شخص يتحدث بثقة وحسم ، حتى لو لم يكن كلامه دقيقا بالكامل.
ولا يمكن تجاهل دور السوشيال ميديا هنا. الفيديوهات القصيرة، القصص الشخصية ، قبل وبعد، الحكايات عن الشفاء وفقدان الوزن… كلها صنعت حالة عاطفية قوية جدا. الناس لا تتأثر دائما بالمعلومة العلمية بقدر ما تتأثر بالقصة الإنسانية. عندما ترى شخصا يقول إنه كان مريضا وتحسن ، فأنت تلقائيا تريد أن تصدق ، لأنك تريد نفس النتيجة.
لكن هل الفكرة صحيحة تماما⁉️ ليس بهذه البساطة. نعم ، تقليل الأكل المصنع، والسكريات الزائدة، وبعض العادات الغذائية السيئة أمر مفيد فعلا. لكن تحويل الطعام إلى “ملائكة وشياطين” فكرة خطيرة أحيانا. أجسام الناس مختلفة، والحالات الصحية مختلفة ، وما يناسب شخصا قد يضر آخر. الأخطر من ذلك هو أن بعض الناس بدأوا يتعاملون مع النظام وكأنه بديل كامل للطب والعلاج ، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
المثير للاهتمام أن “الطيبات” لم يكن مجرد ترند غذائي، بل كشف شيئا أعمق داخل المجتمع : حجم القلق الصحي عند الناس، وحجم فقدان الثقة في المؤسسات الطبية ، ورغبة الناس في الشعور بالسيطرة على حياتهم وصحتهم. ربما لهذا السبب انتشر بهذه السرعة، لأنه لم يبع للناس مجرد أكل صحي ، بل باع لهم شعورا بالأمان والأمل.
وفي النهاية تبقى الأسئلة الأهم:
هل الناس كانت تبحث عن الحقيقة فعلا… أم عن أي شيء يمنحها إحساسا بالنجاة⁉️
وهل السوشيال ميديا أصبحت أقوى من الأطباء في تشكيل الوعي الصحي⁉️
وهل المواطن البسيط يملك فعلا القدرة على التفرقة بين النصيحة العلمية والترند المقنع⁉️
ثم السؤال الأخطر… كم ترندا آخر يمكن أن نصدقه فقط لأنه قيل بثقة⁉️



