بين إرث الفن وخصوصية الإنسانية

بقلم : أ.د عفاف طلبة
تظل حكاية الفنانة العظيمة شادية واحدة من أجمل وأصدق القصص في تاريخ الفن المصري، فنانة أطربت الملايين وأمتعتهم بسحرها، ثم اتخذت في أواخر حياتها قراراً واعيا وشجاعاً بالإعتزال، والإنقطاع التام عن الأضواء، والإبتعاد عن صخب المهرجانات والتكريمات حتى رحلت عن عالمنا وهي ثابتة على هذا الخيار الإنساني والروحي الخالص.
من هنا يتولد تساؤل جوهري وأخلاقي مؤلم: أليس من المفترض أن نحترم رغبة الإنسان حتى بعد وفاته؟
عندما يختار فنان ما بمحض إرادته أن يغلق باب الأضواء ويزهد في التكريمات في حياته، فإن هذا القرار لا يقل أهمية عن أعماله الفنية نفسها؛ إنه جزء من سيادته على حياته الشخصية. إن إقحام اسم أو صورة فنان راحل في محفل سينمائي وهو الذي رفض ذلك تماماً في أيامه الأخيرة، يترك شعوراً ثقيلاً بعدم الإنصاف، وكأن رغبته في السلام والهدوء أهملت تماما لمجرد رحيله وعدم قدرته على الإعتراض. بالنسبة للكثيرين، يبدو هذا التصرف بمثابة “خداع” لذكرى الراحلة التي حرصت على أن تكون صورتها الأخيرة في أذهان الناس مرتبطة بالسكينة والبعد عن الصخب.
ولم يقف الأمر عند حدود الاعتراض المبدئي على الفكرة فحسب، بل تفاقم الجدل بسبب الطريقة التي تم بها تنفيذ البوستر. فقد لجأت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي للإعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم صورتها، وهو ما أدى إلى تغيير ملامحها الحقيقية وإخراجها بشكل لم تكن لترضى عنه لو كانت بيننا. هذا الإستخدام أثار انتقادات واسعة من النقاد والجمهور على حد سواء، إذ إن التعامل مع أيقونة بحجم شادية لا يقتصر فقط على استعارة صورتها، بل يتطلب المحافظة على ملامحها الحقيقية التي عشقها الجمهور، لا تشويهها عبر خوارزميات تقنية تفقد الصورة روحها وهويتها.
كان بإمكان القائمين على المهرجان اختيار آلاف الطرق الأخرى للإحتفاء بتاريخ السينما المصرية أو تكريم رموز أخرى لا تتعارض ذكراهم مع رغباتهم الشخصية في الإبتعاد.
إن إحترام الفنان لا يكمن في فرض وجوده على لافتات المهرجانات رغماً عن منهجه الذي اختاره، بل يكمن في الحفاظ على سيرته وتقدير تاريخه بالطرق التي لا تجرح خصوصيته ولا تتجاوز إرادته.
خلاصة القول
إن التاريخ الفني لشادية ملك للوجدان المصري والعربي، ولكن الإنسان الحقيقي خلف هذا التاريخ يمتلك حقاً أصيلاً في الخصوصية واحترام خياراته. التكريم الحقيقي للراحلة لم يكن ليكمن في بوستر أثار الجدل وشوه الملامح وتجاوز رغبتها في الإبتعاد، بل في حفظ سيرتها النقية كما كانت تبتغي لنفسها في أواخر أيامها.



