صناعة المعنى في التكوين الأول: قراءة نقدية في القائمة القصيرة لجائزة علاء الجابر

بقلم : د. محمد جمال الدين
لم يكن المسرح في يوم من الأيام مجرد محاكاة للواقع، أو إسترجاع جمالي للحدث الإنساني، بل هو الممارسة الوجودية الأعمق التي يعيد بها الإنسان تشكيل العالم في وعيه، وإذا كان المسرح الكلاسيكي يستهدف الإنسان بعد إكتمال بنية وعيه، فإن مسرح الطفل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ إنه يعمل في منطقة التكوين الأولى، حيث تُرسم الخرائط الإدراكية للوجود، وتنسج الخيالات التي تحدد أفق المستقبل، فالطفل حين يشاهد الدراما المسرحية، أو يتفاعل مع النص المكتوب لا يستهلك حكاية فحسب، بل يتمثل بنية المعنى، ويكتشف قيم الجمال والخير والحرية في أصفى تجلياتها.
إن الكتابة لمسرح الطفل في الفضاء العربي المعاصر تحمل رهاناً وجودياً وثقافياً مضاعفاً، فهي خط الدفاع الأول ضد التسطيح الثقافي، والهيمنة الرقمية الجارفة، التي تحول التلقي إلى فعل سلبي باهت، ومن هنا تتجلى قيمة المسرح بوصفه حواراً حياً، وفصلاً درامياً يوقظ الوعي النظري والجمالي لدى النشء، ويمنحهم أدوات النقد والتفكير المستقل.
تتجاوز الكتابة الدرامية للطفل كونها فرعاً أدبياً هامشياً، لتصبح في صلب العملية التربوية والفلسفية للمجتمعات، إذ إن التأليف لمسرح الطفل يتطلب دراية عميقة بالبنية النفسية والعقلية للمتلقي الصغير، حيث يتشابك الخيال بالمعرفة، وتنسجم التسلية مع بناء القيم، وتكمن أهمية الكتابة المسرحية للطفل في أبعاد متكافلة وهي:
البعد النفسي والوجداني، إذ يسهم المسرح في تطوير الذكاء العاطفي وتفريغ الإنفعالات، وتنمية حس الشغف والتعاطف الإنساني، إضافة إلى البعد المعرفي واللغوي، إذ يمنح النص المسرحي المكتوب بلغة عربية فصيحة ورصينة للطفل زاداً لغوياً وثقافياً يعزز انتمائه الهوياتي، ويوسع مدركاته العقلية.
أما البعد الجمالي والتخيلي، إذ يفتح المسرح آفاقاً غير محدودة للخيال، مما ينمي مهارات التفكير النقدي والإبداعي، والقدرة على حل المشكلات خارج الأطر التقليدية، وفي هذا السياق تبرز المبادرات المسرحية، التي تعنى بالتأليف كضرورة حتمية لإثراء المكتبة العربية، بنصوص نوعية تتجاوز المباشرة والوعظية، وتعتمد المعالجة الدرامية الذكية، التي تحاكي عقل طفل القرن الحادي والعشرين.
وتعد جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي إحدى المبادرات الرائدة، المعنية بتشجيع الكتابة المسرحية، وإكتشاف الأصوات الإبداعية الجديدة، فضلاً عن تسليط الضوء على النصوص التي تسهم في إثراء الحركة المسرحية العربية، بما في ذلك النصوص الموجهة للأطفال، وتكتسب هذه الجائزة أهمية بالغة من زوايا متعددة وهي: من الزاوية المؤسسية والثقافية، تحفز الجائزة الحراك الثقافي العربي وتدعم الكتاب والمبدعين، وتوفر منصة عادلة وشفافة تبرز الإبداع المسرحي العابر للحدود الجغرافية، أما من الزاوية المعنوية والتكريمية، تعكس الجائزة وفاءً ذا أثر فلسفي عميق للمبدعين الذين أثروا الحركة المسرحية، إذ أُطلقت الدورة السادسة لعام 2026 تحت اسم “دورة الفنانة العراقية الراحلة د. إقبال نعيم”، وهو احتفاء يربط الأجيال الجديدة برموز الفن العربي الأصيل.
من الزاوية التحفيزية، تقدم الجائزة دعماً مادياً ومعنوياً متكاملًا، يشجع المبدعين على الاستمرار في هذا المجال التخصصي الصعب، حيث تشمل الجوائز كافة المستويات، بدءاً من المراكز الأولى وحتى القائمة القصيرة، مع ضمان طباعة الأعمال، ومن الزاوية التوثيقية: تضمن الجائزة خروج النصوص الفائزة من حيز المخطوطات إلى النور، عبر طباعة الأعمال كاملة في كتاب يوزع مجاناً، مما يثري الحركة المسرحية الميدانية بنصوص قابلة للتجسيد على المسرح.
أعلنت جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي عن القائمة القصيرة لفرع النصوص الموجهة للأطفال، في دورتها السادسة لعام 2026، (دورة الفنانة العراقية الراحلة د. إقبال نعيم)، وقد جاء هذا الإعلان وسط منافسة محتدمة وضمت مشاركات واسعة من مختلف أرجاء الوطن العربي، حيث تنافس في هذا الفرع 28 مبدعاً من كل من مصر، والكويت، والجزائر، والعراق، وبعد خضوع الأعمال للجنة تحكيم تشكلت من خيرة العاملين في مجال مسرح الطفل من مصر والعراق والجزائر، نجح 8 مشاركين من مصر والكويت في الوصول إلى القائمة القصيرة، وقد أكد الإعلان الرسمي للجائزة أن ترتيب الأسماء الوارد بالقائمة القصيرة هو ترتيب أبجدي ولا يعكس ترتيب الفائزين أو مراكز الفوز، حيث سيتم الإعلان عن المراتب النهائية وتوزيع الجوائز، في حفل توزيع الجوائز الذي سيُعلن عنه لاحقاً.
تجلت في هذه القائمة تنوعات موضوعية، وإستدعاءات للتراث والتكنولوجيا والواقع والخيال، وتتضمن القائمة القصيرة مجموعة من المؤلفين المتميزين وهم: الكاتب أحمد سمير من دولة مصر، عن نصه المعنون شارع المعز، والكاتب أحمد فضل من دولة مصر، عن نصه المعنون حراس الحضارة، والكاتب أحمد قرني من دولة مصر، عن نصه المعنون يوم عطلة المارد، والكاتب أحمد كمال من دولة مصر، عن نصه المعنون حكاية لم يعرفها روبو، والكاتبة إنتصار عبد المنعم من دولة مصر، عن نصها المعنون شهريار يستخدم الذكاء الاصطناعي، والكاتب عثمان الشطي من دولة الكويت، عن نصه المعنون ويبقى الأمل، والكاتب محمود صلاح من دولة مصر، عن نصه المعنون مدينة الحكايات الممنوعة، والكاتبة نوال العدل من دولة مصر، عن نصها المعنون ريشة الأماني.
تتسم جائزة علاء الجابر بتقديم هيكل دعم مالي ومعنوي واضح وشفاف، يعزز من قيمة المنافسة الإيجابية بين الكتاب، حيث حددت إدارة الجائزة المخصصات المادية والتقديرية لفرع نصوص الأطفال على النحو التالي تفصيلاً: المركز الأول يحصل الفائز على مبلغ مالي قدره 8000 جنيه، ودرع الجائزة، وشهادة تقدير، والمركز الثاني يحصل الفائز على مبلغ مالي قدره 5000 جنيه، ودرع الجائزة، وشهادة تقدير، والمركز الثالث يحصل الفائز على مبلغ مالي قدره 3000 جنيه، ودرع الجائزة، وشهادة تقدير، وجائزة لجنة التحكيم، خصصت اللجنة مكافأة قدرها 2000 جنيه، ودرع الجائزة، وشهادة تقدير، أما جائزة القائمة القصيرة، وإيماناً من الجائزة بتقدير كافة الجاهزين والمتميزين الواصلين لهذه المرحلة، تقرر منح مبلغ 1000 جنيه لجميع الأسماء الواردة في القائمة القصيرة، والتي لم تحقق الفوز بأية جائزة من المراكز الأولي السالفة، كما تتكفل الجائزة بطباعة جميع الأعمال الفائزة في كتاب يصدر ويوزع مجاناً في الدورة التالية، وهو ما يضمن إستدامة الأثر الإبداعي، وتحويل النصوص إلى مرجع يثرى المكتبة المسرحية الموجهة للطفل.
إن جائزة علاء الجابر للإبداع المسرحي، عبر مسيرتها السادسة المكرسة لروح الدكتورة إقبال نعيم، لا تكتفي بتكريم الفائزين أو تقديم المكافآت المالية والتقديرية، بل تصنع فعلاً حضارياً يعيد الاعتبار للكلمة المكتوبة، ومسرح الطفل هو الحقل الذي نغرس فيه بذور المستقبل، فالطفل الذي يقرأ نصاً مسرحياً رفيعاً، أو يشاهد عرضاً عميقاً، يستحيل أن يكون في المستقبل متفرجاً عابراً في الحياة، بل سيكون صانعاً للفكر وقائداً للتغيير، كما إن الكلمة التي تُكتب للطفل اليوم هي البناء الوجودي الذي ستقوم عليه ثقافة الغد، ومثل هذه الجوائز المخلصة والمستمرة تظل الشعلة التي تُنير طريق الكتاب، للغوص في مجاهل الخيال، صائغين من الحرف والرمز والدراما أفقاً إنسانياً أكثر جمالاً وإشراقاً للجيل القادم.



